ماذا يعني أن تحب على مذهب الفقيه الأندلسي ابن حزم ؟

«إن الحب اتصال بين النفوس في أصل عالمها العلوي» – ابن حزم الأندلسي

في رسالة الندوة (The symposium)، تحدث أفلاطون عن فكرة نشأة الحب، وكيف أن حب العاشقين يبدأ في عالم سابق للعالم الذي نعرفه وندركه؛ وهو ما يسميه بعالم المُثل. هناك يكون الأحباء سويًا في كينونة واحدة قبل الإنفصال في العالم الدنيوي، أي عندما يخلق الإنسان في هذا العالم، لتبدأ رحلته في البحث عن شقه الثاني الذي شكل معه كيانًا واحدًا في العالم السابق.

المصدر: thehumorous.com

قد تبدو لك هذه الفكرة مألوفة إذا كنت من متابعي أفلام هوليوود أو من محبي الأدب الرومانسي لا سيما في القرن التاسع عشر، حيث أن معظم هذا الأدب قائم على هذه الأسطورة الإغريقية: البحث عن رفيق الروح “The Soulmate”, “The One & Only”، الشخص الأوحد المنتظر من بين جموع الناس والذي سيكون “ملائمًا” لك لأنه شقك الآخر..

حقيقةً لا أستطيع هضم فكرة أن هنالك شخص واحد فقط بين السبعة مليار آدمي على هذه الأرض هو الوحيد الذي سيتوافق معك وستتوافق معه، ومهمتكما فقط هي البحث عن بعضكما البعض؟ الرحمة!

لكن المثير للاهتمام أن هذه الفكرة ليست غريبة تمامًا في التراث العربي الإسلامي، حيث نجد فكرة ذات صدًا مشابه في رسالة «طوق الحمامة في الألفة والألاف» التي ألفها الإمام الأندلسي ابن حزم في القرن الرابع هجري، فيقول في ماهية الحب «أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع» لكن ابن حزم لا يتفق مع فلاسفة الإغريق في كون الروح كينونة واحدة، ثم تنقسم في العالم الدنيوي، فاتصال النفوس عند ابن حزم يعني إئتلاف وتشابه تركيبة هذه النفوس في العالم العلوي.

لا أحصي عدد المرات التي تجولت فيها في كتاب طوق الحمامة خلال السنتين الماضية، ليس لأنه كتاب مفضل لدي، بل لأنه مليء بالمشاهدات المثيرة للاهتمام والتفكر حول النفس البشرية وتجربة الحب. كما أن الرسالة تعكس شخصية ابن حزم النفسية والأخلاقية وحياته السياسية والاجتماعية، وهي بمثابة «مرآة حضارية للواقع الاجتماعي والفني والثقافي والأخلاقي السائد في عصره»، وهذا ما أكسبها أهمية أدبية وإنسانية، لذلك لا عجب أن نرى أن الرسالة ترجمت إلى الكثير من اللغات العالمية.

معاينة مشاهدات الحب في سياق مختلف عن سياقنا الزمني هي بحد ذاتها تجربة تجلب الكثير من الدهشة، فمثلاً يسرد ابن حزم العديد من قصص الرجال – غالبًا من فئة نخبوية – الذين ينطبق عليهم وصفنا بـ “رومانسيين، هائميين، منجرفيين عاطفيًا” إلى الحد الذي يجعلهم ينقطعون عن أعمالهم ومصالحهم، فمثلاً يذكر قصة أبي السري عمار بن زياد الذي شاهد جارية في منامه ووقع في حبها وهي ليست انسانة حقيقية أصلاً! وقد بقي أيامًا تزيد عن الشهر مغمومًا، مكتئبًا لا يهنئه شيء، فوبخه ابن حزم وقال له: «إنك لفيلُ [مخطىء] الرأي، مصاب البصيرة، إذ تحب من لم تره قط، ولا خُلِق، ولا هو في الدنيا، ولو عشقت صورة من صور الحماّم [أي الصور التي تزين جدران الحمامات العامة] لكنت عندي أعذر». أنت متخيل، عزيزي القارئ، أن يحب المرء شخصًا ليس موجودًا في الحياة الحقيقة! لا بل ويصاب إثر ذلك بالاعتلال! مذهل جدً! تذكرني هذه القصة بأبيات للشاعر تميم البرغوثي تقول:

إن الهوى لجديرٌ بالفداء وإن
كان الحبيبُ خيالاً مرَّ أو حُلُما
أو صورةٌ صاغها أجدادنا القدما
بلا سقامٍ فصاروا بالهوى سُقَماً  

لن أقدم مراجعة للكتاب في هذه التدوينة، لكني سأتطرق إلى بعض من أفكار ابن حزم حول الحب وماهيته ومعانيه، المفارقة الجديرة بالذكر هنا هي أن الحب من أكثر المفاهيم التي يكاد يستحيل تعريفها أو الاتفاق على ماهيتها، نظرًا لأنه مفهوم هلامي مجرد بالضرورة، لذلك من المثير رؤية ابن حزم يتناول مسألة الحب بصبغة منطقية عقلانية نابعة من شخصيته كفقيه وعالم.

هنا ٤ أفكار أوردها من «طوق الحمامة»، وهي مجرد قطرة من بحر هذا الكتاب.

١) عن مسببات الحب…

يقول صاحب الطوق: «وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات، إنما هو الاتصال والانفصال، والشكل دأبًا [أي عادةً] يستدعي شكله، والمثلُ إلى مثلهِ ساكنٌ».

يذهب ابن حزم إلى التأكيد أننا “نسكن” إلى ما يشبهنا، انطلاقًا من قول الله تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا»، وهذا السكون بحسب فلسفته “سر”، أي أنك لا تعلم ما سببه، لكنك تعلم أنه موجود. فليس علة الحب حسن الصورة الجسدية كما يقول، وإلا لما وُجد الكثيرون ممن يحبون من لا يتمتعون بالجمال المتعارف عليه، وليست علة الحب أيضًا الموافقة في الأخلاق، وإلا لما رأينا شخصًا يحبُ من لا يساعده أو يوافقه أو كما نقول بالعامية «ما يعطيه وجه!»، وهذا موجود بكثرة، إنما العلة في شيء غير معلوم في ذات نفس المحب والمحبوب. وهذا يذكرني بقول الفيلسوف الدانماركي سورين كيركغارد – أحد أوائل المؤسسين لمذهب الوجودية في الفلسفة – الذي قال: « يمكنك أن تحب جسد وعقل الشخص ربما لمنفعته لك أو بسبب الجنس، لكن لا تستطيع أن تحب روح شخص ما لسبب مادي ودنيوي» [١].

ومن وجهة نظره، إن كانت المحبة لها سبب ما، لانتهت في اللحظة التي يفنى فيها هذا السبب، أي إن كنت تحب شخصًا ما لأنه يهتم بك أو يوفر لك أمورًا معينة، لانتهت المحبة في اللحظة التي يتوقف فيها اهتمامه بك أو عطاؤه لك، لذلك يقول: «من ودّك لأمرٍ، ولى مع انقضائه».

لكن في محاولة لمقاربة هذا الشيء الغامض الذي هو علة الحب، يعتقد ابن حزم أنه «كلما كثرت الأشباه، زادت المجانسة وتأكدت المودة»، وهذا لا ينطبق فقط على الصفات أو الأقوال أو الأفعال الحسنة بل حتى السيئة، لذلك لم يغتم الفيلسوف أبقراط حين قيل له أن رجلاً من أهل النقصان يحبه، فكان رد أبقراط: «ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض اخلاقه».

وبالتالي علة الحب عند ابن حزم هي التشابه، وأن التشابه هذا قد وقع وحدث في العالم العلوي، (عالم الذر أو عالم الميثاق)، قبل أن نكون على هيئة بشر في هذه الدنيا. لكننا كبشر في هذا «العالم الأدنى» قد غمرتنا الحُجب، وتطبعنا «بالطبائع الأرضية الكونية»، فتسترت الكثير من صفاتنا، فحيل بيننا وبين الأنفس التي كنا متصلين بها في العالم العلوي، فيؤكد ابن حزم أن لن يكون هناك اتصال حقيقي مع الآخر «إلا بعد التهيؤ من النفس والاستعداد له، وبعد إيصال المعرفة إليها بما يشاكلها ويوافقها، ومقابلة الطبائع التي خفيت بما يشابهها من طبائع المحبوب، فحينئذ يتصل اتصالًا صحيحًا بلا مانع». ويذكّر صاحب الطوق: «القلب كلما صفى رأى»، وصفاء القلوب يكون بتخليصه وتفريغه من المشوشات كما يعلّم الإمام الغزالي [٢].    

٢) عن الحب من أول نظرة…

السؤال الأبدي السرمدي: هل يوجد حب من أول نظرة!؟ أعتقد أن ابن حزم لم يؤمن بذلك، حيث قال: «وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة، ولا أكاد أصدقه، ولا أجعل حبه إلا ضربًا من الشهوة، وأما أن يكون في ظني متمكنًا من صميم الفؤاد، نافذًا في حجاب القلب، فما أقدر ذلك، وما لصِق بأحشائي حب قط إلا مع الزمن الطويل، وبعد ملازمة الشخص لي دهرًا، وأخذي معه في كل جد وهزل»، وفي ذلك قال من الشعر:

محبة صدقٍ لم تكن بنت ساعة…ولا وَرِيَتْ حين ارتفاد زنادها 

ولكن على مهلً سرت وتولدت…بطول امتزاج فاستقر عمادها

فلم يَدنُ منها عزمها وانتِقاضها…ولم ينأ عنها مكثها وازديادها

يؤكد ذا أنا نرى كل نشأة…تتم سريعا عن قريب نفادها

ولكنني أرض عزاز صليبةٌ…منيع إلى كل الغُروس انقيادها

والفكرة الرئيسة هنا هي أن «ما دخل الروح عسيرًا لم يخرج يسيرًا»، أي أن الحب لا يحدث إلا مع المطاولة والعشرة، فإنه هذا «الذي يوشك أن يدوم ويثبت»، أما الذي يأتي سريعًا يذهب سريعًا. أتذكر هنا إحدى السيدات التي سمعتها تقول في سياق الحديث عن الحب: «أحس إنه الناس ما صار عندهم نَفَس طويل للعشرة، ما صار فيه Relationships (أي علاقات حقيقية ممتدة)، صرنا أكتر Situation-ships (أي علاقات مؤقته قائمة على ظروف مكانية زمانية، تنتهي العلاقة بمجرد انتهاء هذه الظروف)».

٣) عن الحب والجمال…

من الجدير بالذكر أن ابن حزم يفرق بين «الحب» و«الوقوع في الحب»، ويرى أن سبب الوقوع في الحب غالبًا هو الجمال أو الميل للصورة الحسنة، ويفسر ذلك بكون أن النفس البشرية مولعة بكل شيء حسن وذي تصاوير متقنة. وهذه نقطة تدعمها الكثير من الدراسات الحديثة، فمثلاً في إحدى الدراسات، وضعت صور لأشخاص مختلفين، كل شخص كانت له صورتين، إحداهما حقيقية والأخرى معدلة بالفوتوشب، صورة يظهر فيها أن شقي وجه الشخص ليسا متماثلان/متطابقان (asymmetrical)، مثلاً شكل الحاجب أو العين اليمنى تختلف قليلاً عن شكل اليسرى، توجد غمازة واحدة فقط أو الغمازة الأخرى طفيفة، أما الصورة الأخرى يظهر فيها شقي الوجه متماثلان ومتطابقان تمامًا (symmetrical)، عندما عرضت الصورة على العينة المشاركة بالدراسة، وسئل المشاركين: من تعتقدون أنه أجمل، أكثر جاذبية، تريدون التحدث معه؟ الغالبية اختارت الصور ذات شقي الوجه المتماثل.

بالرغم من نزعة الإنسان الفطرية للصورة الحسنة، إلا أن ابن حزم يشرح أن النفس إذا ميّزت وراء هذا الجمال ما يشبهها، وقتها فقط يحصل الاتصال بين النفوس والمحبة الحقيقية، وإن لم تميز وراء هذا الجمال أي شيء يتجاوز حب النفس للصورة الحسنة، فيكون ذلك شهوة وليس حبًا، فإن « للصور لتوصيلاً عجيبًا بين أجزاء النفوس النائية» كما يفسّر.  

٤) عن حب الشخص لإثنين في الوقت ذاته…

لا يؤمن ابن حزم أن شخصًا يمكنه حب شخصين مختلفين في الوقت ذات، وبالنسبة له فإن ذلك ليس بحب وإنما شهوة، لأن المحبة تستغرق المحب كله، فمن أين له أن ينشغل بحب ثانٍ كما يتساءل صاحب الطوق، وفي هذا يقول:

كذَب المدعيّ هوىَ اثنين حتمًا…مثل ما في الأصول أُكْذِب ماني*

ليس في القلب موضعٌ لحبيبين…ولا أحدث الأمور إثنانِ

فكما العقل واحد ليس يدري… سوى خالقًا غير واحد رحمانِ 

فكذا القلب واحدٌ. ليس يهوى…غير فرد مباعدٍ أو مُدانِ

هو في شرعةِ المودةِ ذو شرْكٍ…بعيدٌ من صحةِ الإيمانِ

وكذا الدين واحدٌ مستقيمٌ…وكفور من عنده دينانِ

*ماني: متنبئ فارسي يدعى ماني وهو مؤسس مذهب المانوية، دعا إلى الإيمان بعقيدة ثنوية، قوامها الصراع بين النور والظلام

هذه بعض الأفكار التي توقفت عندها، لكني أعتقد أن القيمة الحقيقية للرسالة تكمن في قصص المحبين وأحوالهم وعجائبهم التي يسردها ابن حزم ليذكرنا أن الإنسان وارتحاله في دهاليزه الوجدانية أمر مدهش حقًا…

–انتهى–

مقالات ذات صلة:

ماذا يحدث عندما نقع في الحب؟ تفسير سيكولوجي

كيف حل الحب محل الدين؟ عن تغير معادلة «الإله هو الحب» إلى «الحب هو الإله»

المصادر:

[١] الحُب الذي فصل الله بينه، محمد كريم إبراهيم

[٢] إحياء علوم الدين

انضم إلى قائمة القرّاء الرهيبين حتى تصلك مقالات مثيرة من هذه الغرفة الصغيرة!

4 ردود على “ماذا يعني أن تحب على مذهب الفقيه الأندلسي ابن حزم ؟”

  1. ذكرتني فقرة مسببات الحب بالحديث النبوي الشريف
    “الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”
    شكرًا عنودة على هذا السرد الممتع والموضوع الجميل. ♥️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *