أي الدجاجتين أنت: دجاجة “ص” أم دجاجة “ق” ؟

يقول  الكاتب والمفكر ميخائيل نعيمة على لسان «مرداد» [١]:

استوقفني هذا الوصف كثيرًا، بالرغم من أنني -مثلك عزيزي القارئ- معتادة على سماع حكم عن الصمت وفضائله منذ الصغر، إلا أن لكلمات نعيمة وقع مختلف، ربما لأنه من المستفز جدًا أن يتخيل المرء نفسه دجاجة مزعجة؟ أعتقد أن هذا هو السبب، فعلى الأرجح كل واحد منا لديه نوعًا ما صورة ذهنية مثالية عن نفسه وهي بكل تأكيد لا تمت للدجاج المزعج بأي صلة!

لكن ماذا لو وضعنا هذه الصورة الذهنية المثالية -الوهمية بالضرورة- جانبًا، وتخيلنا أننا إحدى الدجاجتين، أيًا منهما تشبهنا أكثر؟ الصامتة أم القوقاء؟ هل نصمت أكثر مما نتكلم أم العكس؟ هل أحدهما سلوك “صائب” والآخر “خطأ”؟ هل الأمر يتعلق بالسلوك أصلاً أم هي مجرد سمة شخصية يولد بها الإنسان؟

علاقتنا مع الصمت مربكة ومعقدة

[٢]

أعتقد أن علاقتنا مع الصمت مربكة جدًا، فمن ناحية يبدو الكلام -المستمر- هو الأمر الطبيعي لنا ككائنات بشرية، والصمت أمر دخيل؛ يحدث فقط عندما نتعرض لخطب ما يولد حزن، غضب، استياء، اكتئاب…إلخ. ومن ناحية أخرى حتى عندما نختار أن نصمت كمحاولة لترويض الأفكار والخواطر أو لتهذيب النفس وانفعالاتها، نجد أن من حولنا يهب لإنقاذنا من حالة “الكتمان المميت”! فلا نلبث أن نسمع «سلامات! تعبان؟ متضايق؟ زعلان مني؟ ليش ساكت!» ومحاولة الإنقاذ هذه إما ناجمة عن محبة أو هروب من الشعور غير المريح الذي يصاحب اللحظات التي يسود فيها الصمت، أعتقد أن الصمت يرعبنا فهو مقرون في أذهاننا بحالات/مشاعر سلبية بالضرورة، بالرغم من أن معظم أدبيات المعرفة الإنسانية المتراكمة تكاد تجمع على أن الصمت كسلوك/ممارسة واعية له دلالة إيجابية تنم عن الحكمة والاستنارة.

والأمر يتعقد عندما نضيف الدوافع إلى القناعات، فهناك دوافع كثيرة تجعلنا نخشى الصمت، مثل وجود ثقافة مجتمعية سائدة تشجع على الثرثرة والحديث عما يعنينا ولا يعنينا والإدلاء -بمناسبة وبدون مناسبة- بآراء وإن كانت مستعارة، أضف إلى ذلك النزعات الداخلية لحب الظهور والشهرة، خصوصًا أن الثقافة السائدة ذاتها تصفق وتعير الاهتمام لكل من يتحدث كثيرًا بغض النظر عن قيمة ما يُقال، لكن هناك دوافعًا نبيلة أيضًا وراء عدم انتهاج الصمت، كالحرص على إيصال “الفائدة” لجميع الناس..

لكن ما شكل هذا الصمت الذي نتحدث عنه؟

لا شك في أن القدرة على اختيار الصمت على الثرثرة قوة، وطريق لا يقدر على سلكه الكثيرون، وحالة تفضي بالإنسان إلى التحرر من الكثير من القيود، لكن ما كنه هذا الصمت وما شكله؟ يقول ميخائيل نعيمة على لسان «مرداد» [٣]:

[٤]

ويقول [٥]:

ويكمل [٦]:

وبذلك نرى أن الصمت بالنسبة لنعيمة هو أكبر وأعقد وأعمق من مجرد استراحة اللسان المؤقتة عن الكلام. وانتفاء حالة الصمت هذه يقابلها «الفضيلة القوقاءة» التي يحذر منها، بل يؤكد أنه على الإنسان أن يلجم شرفه أو الحديث عن محاسنه كما يلجم ما يخجل منه أو يخشى أن يعرفه الناس عنه، فيقول «لأن حسنة تعلن ذاتها لأسوأ من سيئة صامتة، وفضيلة صخّابة، لأفضل من رذيلة خرساء» [٧].

ماذا عن كثرة الكلام؟

يقول نعيمة في هذا السياق [٨]:

والشيء ذاته ينطبق على الكتابة، فمن بين ١٠٠٠ كلمة نكتبها قد تكون هناك كلمة واحدة فقط حرية بأن تكتب!

لكن هل يكون الصمت أبدًا فضيلة؟

يقول أهل السلوك: «الصمت سلامة، وهو الأصل»، لكن «النطق في موضعه من أشرف الخصال»[٩]، ويضيفون «من سكت عن الحق..فهو شيطان أخرس»، وعندما سُئل أحد العارفين عن أي الحالتين أفضل: الصمت أو النطق، كان الجواب [١٠]:

إذن كيف نعرف متى نصمت ومتى نتحدث؟

أنا مثلك عزيزي القارئ، لا أعرف كيف يمكننا الوصول إلى هذه المرحلة التي ننطق -ونكتب- فيها ما يستحق فعلاً دون ارهاق اللسان والآذان -بل والقلب حتى- بما ليس له أي قيمة. لكني أعلم أنه شيء يُتعلم وسلوك يُربى ويُكبر، كيف؟ لا أعرف، كما ترى هذه ليست تدوينة كيفية بل تدوينة ماهية؛ ليس لدي “أدوات” و”خطوات عملية” أشاركك هي هنا، وربما هذه دعوة مبطنة لمحاولة الخروج -ولو للحظة- من “لعنة الكيفيات” التي تحجبنا عن رؤية الكثير في هذه الحياة، فالتفكر في الماهيات في أحيان كثيرة يكون أهم وأجدى من الغرق في الكيفيات..

–انتهى–

المصادر:

*صورة غلاف المقال رسمتها المبدعة مدى (حسابها على انستقرام @mmmamj) 

[١]، [٣]، [٥]، [٦]، [٧]، [٨] كتاب «مرداد» لميخائيل نعيمة، صادر عن دار نوفل (هاشين أنطوان)

[٢] لوحة «تشوش تام» للرسامة تامرا ديفيسون

[٤] لوحة «تسليم» للفنانة سارة العبدلي

[٩]، [١٠] الرسالة القشيرية للإمام أبي القاسم القشيري، باب الصمت، طبعة دار المنهاج

انضم إلى قائمة القرّاء الرهيبين حتى تصلك مقالات مثيرة من هذه الغرفة الصغيرة!

جارٍ المعالجة…
يا هلا يا هلا! نوّرت قائمة القرّاء

12 Replies to “أي الدجاجتين أنت: دجاجة “ص” أم دجاجة “ق” ؟”

  1. أحب تسميتك لها “لعنة الكيفيات” فعلاً يزعجني اللجؤ السريع للحلول المباشرة والجاهزة دون التأمل وإكتشاف طرقنا المثلى.

    إعجاب

  2. منذ الصغر كنت صامتة، وفي الحقيقة أحببت هذا
    في مراحل ما انطلقت بالحديث وربما (في نظري) بالغت قليلًا
    هذه الفترات أحاول العودة لوضع متوازن وسط بينها لأعلم كما ذكرت “متى أتحدث ومتى أصمت”،؟
    لكن أظن أنني في الغالب سأميل للصمت أكثر، فالكلام أحيانًا يشعرني بالندم
    وبالمقابل هناك بعض الأفعال تتم بصمت لكنها تتحدث بالنيابة عنك بصوت عال 🙂

    كل الشكر الجزيل كالعادة🌸

    Liked by 1 person

  3. جزاك الله خيرًا وأسعدك في داريك عزيزتي العنود ..
    شكرا على هذه المقالة الرائعة جدًّا
    في رأيي الصمت أصعب من الكلام، ورغم أننا نحتاج سنتين لنتعلم كيف نتكلم لكننا نحتاج خمسين سنة للتوقف عن الكلام ..

    دمت بخير 🙂

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s