عن العنصر الشفاف ورسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة

أتذكر أني سمعت يومًا أحد الأفاضل الحكماء – فرج الله كربه – يقول: «قراءة الشعر ترقق القلب».

استحضر الآن هذه المقولة بعد أن انتهيت من قراءة كتاب «الشعلة الزرقاء» الذي يجمع ٣٦ من رسائل جبران خليل جبران السرية لمحبوبته الأديبة مي زيادة، وهما اللذان دامت بينهما عاطفة عارمة استمرت قرابة العشرين عامًا لم يلتقيا فيها يومًا وجها لوجه، لم يلتقيا فيها إلا في «عالم الفكر والروح والخيال الضبابي» كما سماه جبران.

هذه التدوينة ليست مراجعة للكتاب أو حديثًا عن أدب الرسائل، فوقع الكتاب على النفس أوسع مما قد تحويه كلماتي. أعني كيف لي أن أعلق على عذوبة كتلك التي تفيض بها إجابة جبران – مثلاً – عندما سألته مي في إحدى رسائلها «ما لون البذلة التي ترتديها اليوم؟» فيرد قائلاً:

من عوائدي أن أرتدي بذلتين في وقت واحد، بذلة من نسج النساجين وخياطة الخياطين، وبذلة من لحم ودم وعظام! أما اليوم، فإني أرتدي ثوبًا واحدًا طويل الأذيال، واسع الجنوب، عليه أثر الحبر والألوان، وهو بالإجمال لا يختلف عن ملابس الدراويش إلا بنظافته، أما الثوب الثاني المصنوع من لحم ودم وعظام، فهو مطروح في الغرفة المحاذية، ذلك لأني أفضل محادثتك وهو بعيد عني

أو عندما يقول:

…لو كنت في القاهرة، لوقفنا أمام اختباراتنا النفسية وقوفنا أمام البحر أو أمام النجوم أو أمام شجرة تفاح مزهرة، ومع كل ما في اختباراتنا من الغرابة، فهي ليست أغرب من البحر أو من النجوم أو من الشجرة المزهرة، ولكن، من العجائب أننا نمتثل ونستسلم لمعجزات الأرض والفضاء، وفي الوقت نفسه نستصعب تصديق ما يظهر في أرواحنا من المعجزات

لا أعتقد أن نفسي ستسمح لنفسي حتى التعليق على هكذا نفثات، لكن ما أريد استدعائه من خلال هذه التدوينة هي فكرة: اعتناق المجرد..

عندما كنت أقرأ رسائل جبران، كنت أقرأها بنفَس الطفل الذي يحشر نفسه بين خاطبين محاولاً اكتشاف أسرارهما، هكذا، فقط من باب الفضول والانخراط الوجداني لمجرد الانخراط الوجداني. لم أكن أفكر «كيف سيفيدني هذا في حياتي؟» أو «ما تفسير هذه المقولة؟» على عكس عادتي عندما أقرأ أي كتاب أو أستهلك أي مادة. بل إنني وللمرة الأولى في حياتي قاومت وبنجاح نزعة البحث والتفتيش في السياق التاريخي الذي خرجت منه هذه الرسائل. أظن أن هذه المرة الأولى التي استسلم فيها لـ “روح” النص لا لـ”جسده”.  

حقيقةً أنا لا أتذكر متى كانت آخر مرة قرأت فيها كتابًا دون هدف، أعني أن أقرأ لمجرد القراءة، لا لتعلم شيء جديد، أو تطوير فكري ومهاراتي، أو استنباط دروس من سير الآخرين، أو الاستمتاع بمغامرة مثيرة في رواية، هذه المرة كنت أقرأ فقط تلذذًا بالكلمات وموسيقيتها، واستئناسًا بالمجرد، غير الملموس..

هذا المجرد – أو ربما العنصر الشفاف بلغة جبران – هو ما يتحدى الحالة التي يتلبسنا فيها سُعار محاولة فهم كل شيء، ومنطَقة الأمور – أي تحويلها إلى منطق وإن كان منطقًا معطوبًا! –  نميل نحن البشر بشكل فطري إلى محاولة تفسير كل شيء من حولنا، لذلك ليس من السهل علينا تقبل عدم وجود تفسيرات/أجوبة أو حتى تقبل فكرة أننا “عاجزين” عن فهم أمر ما، وأعتقد أن جزءً كبيرًا من طبيعة الأديان هو تهذيب هذه النزعة وتدريبنا على التسليم لفكرة أننا لن نعرف أو نفهم كل شيء، فنستوعب أن هناك شيء أكبر منا، يتجاوزنا، يهدم محوريتنا التي نتصورها، وتوهمنا أننا نستطيع القبض بأيدينا على كل المعرفة.

فنكون عادة أمام خيارين: أن نرفض الوجود المجرد، ذلك غير الخاضع للقوانين المنطقية أو المعايير المادية، ونعيش في حالة قلق وتوهم دائمان تبعًا لذلك، أو أن نرضخ لحقيقة هذا الوجود، غير الملموس، المطلق، الماورائي، اللانهائي، الذي لا نستطيع إلا أن نعتمد على أرواحنا في التعويل على وجوده.

ما الذي أقوله؟ لست متأكدة الصراحة.

لكني متأكدة أنني ومن خلال قراءتي للـ «الشعلة الزرقاء»، شعرت لوهلة أنني انتصرت على لعنة “الإنتاجية” و”الأرقام” و”الفاعلية” و”النتائج الملموسة” وغيرها من التجليات المادية التي باتت تطبق على كل تفصيلة من تفاصيل الحياة، والتي لم تقتصر على نطاق العمل فحسب بل تسللت إلى أكثر الأمور حميمية في حياتنا. كل شيء نقوم به نريده أن يكون له “هدف” حتى نكون “منتجين” أكثر، و”ناجحين” أكثر، حتى الترفيه والاستمتاع أصبحنا نحوله إلى “مادة معرفية” نريد أن “نطور” أنفسنا فيها أكثر.

والصراحة أنا أميل إلى الاعتقاد أنه كلما أطبق علينا “المادي” قست قلوبنا وفقدت رهافتها، وبالتالي شفافيتها، أو بتعبير الشيرازي «يا هذا، فيلك سيهدم كعبتك» – أي إن استفحل “المادي” فيك، سيقضي على “الروحي” فيك. وربما لهذا قال صديقي الفاضل الحكيم – أخرجه الله من بئر يوسف – قراءة الشعر ترقق القلوب، فما الشعر إلا إحدى البوابات إلى المجرد؟

وبالرغم من أن لغة جبران في رسائله لم تكن شعرية إلا إنها كانت احتفال كوني بالمجرد، بالمطلق، باللانهائي، فيقول:

من منا يا ماري* يستطيع أن يترجم لغة العالم الخفي إلى لغة العالم الظاهر؟ من منا يستطيع أن يقول « في روحي شعلة بيضاء أما أسبابها فكذا وكذا، وأما معناها فكذا وكذا، وأما نتائجها فستكون كذا وكذا»؟ كفى المرء أن يقول لنفسه «في روحي شعلة بيضاء»

وفي فعل الشيء لذاته يقول:  

الحياة يا مي، لا تقف في مكان من الأمكنة، وهذا الموكب الهائل بجماله لا يستطيع سوى المسير من لا نهاية إلى لا نهاية…ونحن إذا أحببنا شيئًا يا مي، نحسب المحبة نفسها محجة لا واسطة للحصول على شيء آخر، وإذا خضعنا خاشعين أمام شيء علوي، نحسب الخضوع رفعة والخشوع ثوابًا، وإذا تشوقنا إلى شيء نحسب الشوق بحد ذاته موهبة ونعمة. ونحن نعلم أن أبعد الأمور هو أخلقها وأحقها بميلنا وحنيننا

ويقول:

وأي مطمع لنا وسبعة آلاف ميل تفصلنا، في إعلان سر من أسرار أرواحنا سوى التمتع بإعلان ذلك السر؟ وما هي غايتنا من الوقوف بباب الهيكل سوى مجد الوقوف؟ ماذا يا ترى يبغي الطائر إذا ترنم، والبخور إذا احترق؟

إن فعلت بي رسائل جبران هذه شيئًا واحدًا فقط فسيكون زيادة حنيني إلى الالتحام بالعنصر الشفاف، هذا العنصر الذي قد يستعصي على التعريف، لكنه يبدو كأحد سبل «الخروج إلى المطلق» والانعتاق من الذاتية المحدودة، المُقيَدة بالزمان والمكان. المطلق الذي قال عنه الشاعر الشهاوي:

وهناك تأتيك جميعُ الأسماء

وهناك يصفو النبع ويحلو الماء

وتداعب كف الخضرة وجه الصحراء

وهناك لا تُغلَب أو تُقهَر

اخرج من ذاتك تظهَر

لروح جبران في المطلق أقول: هل كنتِ تعلمين أن فتاة تسكن الحجاز ستقع على رسائلك السرية التي بعثتي بها من نيويورك إلى مي في لبنان بعد حوالي ٩٠ عامًا من وقت كتابتها؟ أليس هذا مدهشًا؟ هل كنتِ تعلمين أنك ستجتمعين أنت وروح هذه الفتاة على الحنين إلى البساطة والمجرد اللذين قلتي عنهما في ختام إحدى الرسائل:   

آه لو كنتِ تعلمين مقدار تعبي مما لا لزوم له، لو كنتِ تعلمين مقدار حاجتي إلى البساطة. لو كنت تعلمين مقدار حنيني إلى المجرد، المجرد الأبيض، المجرد في العاصفة، المجرد على الصليب، المجرد الذي يبكي ولا يستر دموعه، المجرد الذي يضحك ولا يخجل من ضحكة – لو كنتِ تعلمين، لو كنتِ تعلمين.

«وماذا أنا فاعل في هذا المساء؟»

ليس الوقت مساءً، نحن في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فإلى أي مكان تريدين أن نذهب في هذه الساعة المتأخرة؟ الأفضل أن نبقى هنا. في هذه السكينة العذبة. هنا نستطيع أن نتشوق حتى يدنينا الشوق من قلب الله. وهنا نستطيع أن نحب البشرية حتى تفتح لنا البشرية قلبها.

 ها قد قبّل النعاس عينيكِ.

لا تنكري أن النعاس قد قبل عينيكِ، لقد رأيته يقبلهما، قد رأيته يقبلهما هكذا، هكذا كما يقبلون، فأليّ رأسكِ هنا، إلى هذه الجهة، ونامي، نامي يا صغيرتي، نامي فأنت في وطنكِ.

أما أنا فسوف أسهر، أسهر وحدي، علي أن أبقى خافرًا حتى الصباح، قد ولدتُ لأبقى خافرًا حتى الصباح.

 الله يحرسكِ، والله يبارك سهري، الله يحرسكِ دائمًا

                                                                                                                                   جبران  

لوحة فنية مستلهمة من إحدى نصوص الرسائل عن العنصر الشفاف، من عمل الصديقتين الشفافتين: أفنان طاش ودعاء بوقس (أحبكما كثيرًا)

–انتهى–

*ماري، الاسم الحقيقي لمي زيادة لكنها عرفت واشتهرت بهذا الأخير.

انضم إلى قائمة القرّاء الرهيبين حتى تصلك مقالات مثيرة من هذه الغرفة الصغيرة!

جارٍ المعالجة…
يا هلا يا هلا نورت القائمة!

5 Replies to “عن العنصر الشفاف ورسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة”

  1. ولله الحمد وجدت ماارد به على من افترى علي الوقوع في الحب لأنني وبشكل لذيذ اقتبس دائماً واحتفظ بابيات رقيقة ورسائل ادبية مليئة بالحب والعذوبة وغايتي ان لا يفقد قلبي رقته

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s